ابن عساكر
356
تاريخ مدينة دمشق ( المستدركات )
اعلموا أنه كفر بالذي دَنا فَتَدَلَّى [ سورة النجم ، الآية : 8 ] وعتبة خارج إلى الشام ، فبلغ قوله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : « سيرسل اللّه إليه كلبا من كلابه » . فخرج ، ونزلوا بأرض كثيرة الأبقار ، ومعهم هبار بن الأسود ، فعدا عليه الأسد ، فأخذ برأسه فمضغه ثم لفظه فمات ، فقال هبّار : واللّه لقد رأيت الأسد شم رؤوس النفر رجلا رجلا حتى بلغه فأخذه ، وهذا كان بالشراة من أرض الشام . كان هبار يقول : لما ظهر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ودعا إلى اللّه : كنت ممن عاداه ، ونصب له وآذاه ، ولا يسير قرشي مسيرا لعداوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وقتاله إلا كنت معهم ، وكنت مع ذلك قد وترني محمد ، قتل أخوي : زمعة وعقيلا ابني الأسود وابن أخي الحارث بن زمعة يوم بدر ، فكنت أقول : لو أسلمت قريش كلها لم أسلم . وكان « 1 » رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعث إلى زينب ابنته من يقدم بها « 2 » ، وعرض لها نفر من قريش فيهم هبّار ينخس بها وقرع ظهرها بالرمح « 3 » ، وكانت حاملا ، فأسقطت ، فردت إلى بيوت بني عبد مناف ، فكان هبّار بن الأسود عظيم الجرم في الإسلام ، فأهدر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم دمه . فكان كلما بعث سرية أوصاهم بهبار ، وقال : « إن ظفرتم به فاجعلوه بين حزمتين من حطب ، وحرّقوه بالنار ، ثم يقول بعد : إنما يعذب بالنار رب النار ، إن ظفرتم به فاقطعوا يديه ، ورجليه ، ثم اقتلوه » [ 14339 ] . قالوا : ثم قدم هبّار بعد ذلك مسلما « 4 » مهاجرا « 5 » ، فاكتنفه ناس من المسلمين يسبونه ، فقيل لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : هل لك في هبار يسب ، ولا يسب . وكان هبار في الجاهلية سبابا ، فأتاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : « يا هبار ، سبّ من سبّك » [ 14340 ] فأقبل عليهم هبار ، فتفرقوا عنه « 6 » .
--> ( 1 ) انظر سيرة ابن هشام 2 / 308 - 309 والإصابة 3 / 597 وأسد الغابة 4 / 608 وأنساب الأشراف 2 / 24 . ( 2 ) بعث زيد بن حارثة ورجلا من الأنصار . ( 3 ) وفي سيرة ابن هشام أنها لما ريعت طرحت ذا بطنها . ( 4 ) وكان ذلك حين فتح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مكة ، كما في أنساب الأشراف 2 / 25 . ( 5 ) قال ابن حجر في الإصابة : فيه وهم في قوله هاجر إلى المدينة ، فإنه إنما أسلم بالجعرانة وذلك بعد فتح مكة ، ولا هجرة بعد الفتح 3 / 598 . ( 6 ) الإصابة 3 / 598 وأسد الغابة 4 / 608 .